الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
11
تفسير روح البيان
تعالى قال في البهجة واما نحو تلك الجنة فذلك لصيرورتها كالمشاهد بمعرفة أوصافها اللَّهُ خبر ذلكم ويجوز ان يكون صفة على أن الخبر ما بعده كما قال الكاشفي [ آن خداوندى كه موصوف است بصفات خلق وتدبير واستيلاء ] رَبَّكُمُ [ پروردگار شماست نه غير أو ] إذ لا يشاركه أحد في شئ من ذلك قال المولى أبو السعود رحمه اللّه ربكم بيان له أو بدل منه أو خبر ثان لاسم الإشارة فَاعْبُدُوهُ وحده ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو انسان فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع أَ فَلا تَذَكَّرُونَ تتفكرون فان أدنى التفكر والنظر ينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً بالموت والنشور لا إلى غيره فاستعدوا للقائه . وانتصب جميعا على أنه حال من الضمير المجرور لكونه فاعلا في المعنى اى اليه رجوعكم مجتمعين وفي التأويلات النجمية رجوع المقبول والمردود إلى حضرته . فاما المقبول فرجوعه اليه بجذبات العناية التي صورتها خطاب ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ وحقيقتها انجذاب القلب إلى اللّه تعالى ونتيجتها غروب النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها وانزعاج القلب مما سوى اللّه واستغراق الروح في بحر الشوق والمحبة والتبري مما سوى اللّه وهيمان السر وحيرته في شهود الحق ورجوعه من الخلق . واما المردود فرجوعه بغير اختياره مغلولا بالسلاسل والاغلال يسحبون في النار على وجوههم وهي صورة صفة قهر اللّه ومن نتائج قهر اللّه تعلقاته بالدنيا وما فيها واستيلاء صفات النفس عليه من الحرص والبخل والأمل والكبر والغضب والشهوة والحسد والحقد والعداوة والشره فان كل واحدة منها حلقة من تلك السلاسل وغل من تلك الاغلال بها يسحبون إلى النار وَعْدَ اللَّهِ اى وعد اللّه البعث بعد الموت وعدا حَقًّا كائنا لا شك فيه فوعد اللّه مصدر مؤكد لنفسه لان قوله اليه مرجعكم وعد من اللّه بالبعث والإعادة لا محتمل له غير كونه وعدا وقوله حقا مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه وعد اللّه لان لهذه الجملة محتملا غير الحقية نظرا إلى نفس مفهومها اى حق ذلك حقا إِنَّهُ اى اللّه تعالى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ يقال بدأ اللّه الخلق اى خلقهم كما في القاموس ثُمَّ يُعِيدُهُ اى يبدأ الخلق أولا في الدنيا ليكلفهم ويأمرهم بالعبادة ثم يميتهم عند انقضاء آجالهم ثم يبعثهم بعد الموت وهذا استئناف بمعنى التعليل لوجوب الرجوع اليه لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ متعلق بيعيده اى يثيبهم بما يليق بلطفه وكرمه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بِالْقِسْطِ متعلق بيجزى اى بالعدل فلا ينقص من ثواب محسن ولا يزيد على عقاب مسيئ بل يجازى كلا على قدر عمله كما قال تعالى جَزاءً وِفاقاً وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ اى من ماء حار قد انتهت حرارته [ چون بخورند احشا وامعاى ايشان پاره پاره گردد ] وَعَذابٌ أَلِيمٌ وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ وهو في موضع رفع صفة أخرى لعذاب ويجوز ان يكون خبر مبتدأ محذوف اى ذلك المذكور من الشراب والعذاب حاصل لهم بسبب كفرهم باللّه ورسوله وغير النظم ولم يقل وليجزى الكافرين بشراب إلخ تنبيها على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة والعقاب واقع بالعرض واعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة فاللّه تعالى